محمد جواد مغنية

587

في ظلال الصحيفة السجادية

( وحل بيني وبين عدوّ يضلّني ، وهوى يوبقني ، ومنقصة ترهقني ) حل : احجز ، ويوبقني : يهلكني ، وترهقني : تحملني ما لا أطيق ، والمراد بالعدو هنا كلّ ما يغري بالانحراف عن جادة الحقّ ، والخير ، ويبعث على ممارسة الشّرّ ، والباطل ، سواء أكان هذا الباعث من داخل الإنسان ، أم من خارجه . وما من شك أنّ صاحب الوعي ، والحزم لا يأمن مكر عدوه حتّى ولو كان هذا العدو نفسه الّتي بين جنبيه ، بل يكبحها ، ويردعها ، والإمام عليه السّلام يدعو اللّه سبحانه أن يعينه على نفسه ، وعلى كلّ مخادع ، ومراوغ ( ولا تعرض عنّي . . . ) اللّه سبحانه يدعو إليه من أدبر عنه ، فكيف يعرض عمن أقبل عليه ؟ وإذن فالمعنى عاملني بلطفك ، ورحمتك لا بما أستحق . ( ولا تؤيسني من الأمل فيك ) الخطاب ، أو المناجاة مع اللّه سبحانه ، وعليه يتجه السّؤال : ألم يهدد ، جلّ جلاله ، ويتوعد الّذين يئسوا من رحمته ، بالعذاب الأليم ، ويعلن ذلك بقوله : أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » ؟ فهل بعد هذا يقال للّه تعالى : « لا تؤيسني » ؟ الجواب : يريد الإمام عليه السّلام بقوله : « لا تؤيسني » أنت يا إلهي ثقتي ، ورجائي فحقق ما أملت ، ورجوت قبل أن يغلبني اليأس . ولذا قال بلا فاصل : ( فيغلب عليّ القنوط من رحمتك ) وفي الدّعاء الثّالث عشر : « وتولّني بنجح طلبتي ، وقضاء حاجتي ، ونيل سؤلي قبل زوالي عن موقفي هذا . . . ، ولا تقطع رجائي عنك ، ولا تبتّ سببي منك » ( ولا تمنحني بما لا طاقة لي به ) هذا اقتباس من الآية : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ « 2 » . قال بعض المفسرين : أي لا تكلفنا بما لا يطاق ! . ويدحض هذا التّفسير قوله تعالى في نفس الآية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 3 »

--> ( 1 ) العنكبوت : 23 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) البقرة : 286 .